عواطف عبداللطيف
09-11-2008, 11:27 PM
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
حكاية اليوم يحكيها الرجل الصالح عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ فيقول: عَصَفَتْ بِنَا الرِّيحُ عَلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَعْبُدُ صَنَمًا، فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ مَنْ تَعْبُدُ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى الصَّنَمِ، فَقُلْنَا لَهُ: إنَّ مَعَنَا فِي الْمَرْكَبِ مَنْ يَعْمَلُ هَذَا. قَالَ: فَأَنْتُمْ مَنْ تَعْبُدُونَ؟ قُلْنَا: نَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قُلْنَا: الَّذِي فِي السَّمَاءِ عَرْشُه، وَفِي الْأَرْضِ سُلْطَانُهُ، وَفِي الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ قَضَاؤُهُ.
قَالَ: كَيْفَ عَلِمْتُمْ هَذَا؟ قُلْنَا: وَجَّهَ إلَيْنَا رَسُولًا أَعْلَمَنَا بِهِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الرَّسُولُ؟ قُلْنَا: قَبَضَهُ اللهُ إلَيْهِ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ عِنْدَكُمْ عَلَامَةً؟ قُلْنَا: تَرَكَ عِنْدَنَا كِتَابَ الْمَلِكِ. قَالَ: أَرُونِيهِ. فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُصْحَفِ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا. فَقَرَأْنَا عَلَيْهِ سُورَةً وَهُوَ يَبْكِي، ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ لَا يُعْصَى. فَأَسْلَمَ وَحَمَلْنَاهُ مَعَنَا، وَعَلَّمْنَاهُ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَسُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ.
فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ صَلَّيْنَا وَأَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، الْإِلَهُ الَّذِي دَلَلْتُمُونِي عَلَيْهِ أَيَنَامُ إذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ؟ قُلْنَا: لَا يَا عَبْدَ اللهِ، هُوَ حَيٌّ قَيُّومٌ لَا يَنَامُ، قَالَ: بِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ! تَنَامُونَ وَمَوْلَاكُمْ لَا يَنَامُ! فَعَجِبْنَا مِنْ كَلَامِهِ.
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَبَّادَانَ (بلدة في إيران) جَمَعْنَا لَهُ دَرَاهِمَ وَأَعْطَيْنَاهَا لَهُ وَقُلْنَا لَهُ: أَنْفِقْهَا. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، دَلَلْتُمُونِي عَلَى طَرِيقٍ لَمْ تَسْلُكُوهُ! أَنَا كُنْت فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ أَعْبُدُ صَنَمًا مِنْ دُونِهِ فَلَمْ يُضَيِّعْنِي، فَكَيْفَ الْآنَ وَقَدْ عَرَفْته؟.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ لِي: إنَّهُ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَجِئْته وَقُلْت: أَلَكَ حَاجَةً؟ فَقَالَ: قَدْ قَضَى حَوَائِجِي مَنْ عَرَّفْتنِي بِهِ.
فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إذْ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْت، فَرَأَيْت فِي الْمَنَامِ رَوْضَةً، وَفِي الرَّوْضَةِ قُبَّةً، وَفِيهَا سَرِيرٌ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ أَجْمَلُ مِنْ الشَّمْسِ، تَقُولُ: سَأَلْتُك بِاللهِ عَجِّلْ عَلَيَّ بِهِ. فَانْتَبَهْت فَإِذَا بِهِ قَدْ مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَجَهَّزْته لِقَبْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَنَامِ فِي الْقُبَّةِ، وَالْجَارِيَةُ إلَى جَانِبِهِ، وَهُوَ يَتْلُو ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) (الرعد: 24) ( ).
هذا رجل كان مستغرقا في الباطل، فلما عرف طريق الله دلته فطرته على أسباب الصلة بالله، ورأى قيام الليل بين يدي الله أقصر الطرق إلى الله، وعجب ممن دلوه على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، كيف يستغرقون في النوم ولا يشتغلون فيه بالتقرب إلى الله، وصدق؛ فإن قيام الليل دأب الصالحين وسلوة العابدين، ونواشئُ الأسحار أجنحةُ أهل الأشواق والوَجْد الإلهي، ولذلك ندب اللهُ أهلَ محبته لمناجاته والسجود له في جوف الليل، فقال عز من قائل ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)) (الإنسان: 26)، وحض عليه الحبيبُ محمد صلى الله عليه وسلم، وعدّد مزاياه، فعن بلال وأبي أمامة وسلمانy أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ»( ).
وما وُصف قيامُ الليل بأنه دأبُ الصالحين إلا لأنه علامة الصلاح والصدق والإخلاص، فإن المنافقين يستثقلون صلاةَ الليل من الفريضة فضلاً عن النافلة ومن ثم حرص على قيام الليل من بعده الصالحون، وتسابق فيه الموفَّقون.
روي عن جعفر الخلدي قال: رأيت الجُنَيْد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك الإشارات، وضاعت تلك العبارات، وفَنِيَتْ تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر( ).
وفي الليل كان الحبيب المحبوب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقف في خشوع وضراعة ومناجاة ومناداة، حتى تتشقق قدماه، ويقال له، فيقول: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» ( ).
ولما قيل لعائشة رضي الله عنها: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا! لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) (آل عمران: 190) الآيَةَ كُلَّهَا» ( ).
وقد وصفه عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ، فقال:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُـو كِتَابَهُ
إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا
بِـهِ مُوقِنَـاتٌ أَنَّ مَا قَـالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ ( )
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه إلى ذلك، والأحاديث في حثه صلى الله عليه وسلم على قيام الليل كثيرة، حتى عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل التطوع بعد الفريضة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ»( ).
ويحذر صلى الله عليه وسلم من ترك هذا العمل المبارك، فيقول لعبد الله بن عمرو بن العاصy: «يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»( ).
وذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»( ).
نسأل الله أن يعيننا على قيام الليل، وأن يمتعنا بلذة مناجاته في الأسحار.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الدكتور عبدالرحيم البر
حكاية اليوم يحكيها الرجل الصالح عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ فيقول: عَصَفَتْ بِنَا الرِّيحُ عَلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَعْبُدُ صَنَمًا، فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ مَنْ تَعْبُدُ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى الصَّنَمِ، فَقُلْنَا لَهُ: إنَّ مَعَنَا فِي الْمَرْكَبِ مَنْ يَعْمَلُ هَذَا. قَالَ: فَأَنْتُمْ مَنْ تَعْبُدُونَ؟ قُلْنَا: نَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قُلْنَا: الَّذِي فِي السَّمَاءِ عَرْشُه، وَفِي الْأَرْضِ سُلْطَانُهُ، وَفِي الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ قَضَاؤُهُ.
قَالَ: كَيْفَ عَلِمْتُمْ هَذَا؟ قُلْنَا: وَجَّهَ إلَيْنَا رَسُولًا أَعْلَمَنَا بِهِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الرَّسُولُ؟ قُلْنَا: قَبَضَهُ اللهُ إلَيْهِ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ عِنْدَكُمْ عَلَامَةً؟ قُلْنَا: تَرَكَ عِنْدَنَا كِتَابَ الْمَلِكِ. قَالَ: أَرُونِيهِ. فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُصْحَفِ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا. فَقَرَأْنَا عَلَيْهِ سُورَةً وَهُوَ يَبْكِي، ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ لَا يُعْصَى. فَأَسْلَمَ وَحَمَلْنَاهُ مَعَنَا، وَعَلَّمْنَاهُ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَسُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ.
فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ صَلَّيْنَا وَأَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، الْإِلَهُ الَّذِي دَلَلْتُمُونِي عَلَيْهِ أَيَنَامُ إذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ؟ قُلْنَا: لَا يَا عَبْدَ اللهِ، هُوَ حَيٌّ قَيُّومٌ لَا يَنَامُ، قَالَ: بِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ! تَنَامُونَ وَمَوْلَاكُمْ لَا يَنَامُ! فَعَجِبْنَا مِنْ كَلَامِهِ.
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَبَّادَانَ (بلدة في إيران) جَمَعْنَا لَهُ دَرَاهِمَ وَأَعْطَيْنَاهَا لَهُ وَقُلْنَا لَهُ: أَنْفِقْهَا. قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، دَلَلْتُمُونِي عَلَى طَرِيقٍ لَمْ تَسْلُكُوهُ! أَنَا كُنْت فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ أَعْبُدُ صَنَمًا مِنْ دُونِهِ فَلَمْ يُضَيِّعْنِي، فَكَيْفَ الْآنَ وَقَدْ عَرَفْته؟.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ لِي: إنَّهُ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَجِئْته وَقُلْت: أَلَكَ حَاجَةً؟ فَقَالَ: قَدْ قَضَى حَوَائِجِي مَنْ عَرَّفْتنِي بِهِ.
فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إذْ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْت، فَرَأَيْت فِي الْمَنَامِ رَوْضَةً، وَفِي الرَّوْضَةِ قُبَّةً، وَفِيهَا سَرِيرٌ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ أَجْمَلُ مِنْ الشَّمْسِ، تَقُولُ: سَأَلْتُك بِاللهِ عَجِّلْ عَلَيَّ بِهِ. فَانْتَبَهْت فَإِذَا بِهِ قَدْ مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَجَهَّزْته لِقَبْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْته فِي الْمَنَامِ فِي الْقُبَّةِ، وَالْجَارِيَةُ إلَى جَانِبِهِ، وَهُوَ يَتْلُو ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) (الرعد: 24) ( ).
هذا رجل كان مستغرقا في الباطل، فلما عرف طريق الله دلته فطرته على أسباب الصلة بالله، ورأى قيام الليل بين يدي الله أقصر الطرق إلى الله، وعجب ممن دلوه على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، كيف يستغرقون في النوم ولا يشتغلون فيه بالتقرب إلى الله، وصدق؛ فإن قيام الليل دأب الصالحين وسلوة العابدين، ونواشئُ الأسحار أجنحةُ أهل الأشواق والوَجْد الإلهي، ولذلك ندب اللهُ أهلَ محبته لمناجاته والسجود له في جوف الليل، فقال عز من قائل ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً)) (الإنسان: 26)، وحض عليه الحبيبُ محمد صلى الله عليه وسلم، وعدّد مزاياه، فعن بلال وأبي أمامة وسلمانy أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ»( ).
وما وُصف قيامُ الليل بأنه دأبُ الصالحين إلا لأنه علامة الصلاح والصدق والإخلاص، فإن المنافقين يستثقلون صلاةَ الليل من الفريضة فضلاً عن النافلة ومن ثم حرص على قيام الليل من بعده الصالحون، وتسابق فيه الموفَّقون.
روي عن جعفر الخلدي قال: رأيت الجُنَيْد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك الإشارات، وضاعت تلك العبارات، وفَنِيَتْ تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر( ).
وفي الليل كان الحبيب المحبوب نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقف في خشوع وضراعة ومناجاة ومناداة، حتى تتشقق قدماه، ويقال له، فيقول: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» ( ).
ولما قيل لعائشة رضي الله عنها: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا! لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) (آل عمران: 190) الآيَةَ كُلَّهَا» ( ).
وقد وصفه عبد الله بن رواحة رضى الله عنه ، فقال:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُـو كِتَابَهُ
إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا
بِـهِ مُوقِنَـاتٌ أَنَّ مَا قَـالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ ( )
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه إلى ذلك، والأحاديث في حثه صلى الله عليه وسلم على قيام الليل كثيرة، حتى عدَّه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل التطوع بعد الفريضة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ»( ).
ويحذر صلى الله عليه وسلم من ترك هذا العمل المبارك، فيقول لعبد الله بن عمرو بن العاصy: «يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»( ).
وذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»( ).
نسأل الله أن يعيننا على قيام الليل، وأن يمتعنا بلذة مناجاته في الأسحار.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الدكتور عبدالرحيم البر