المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من اصول العشرة الطيبة\رحمة الصغار والضعفاء


عواطف عبداللطيف
09-12-2008, 03:09 PM
من الآداب التي تحفظ حسن العلاقة بين الناس: رحمة الصغار والضعفاء وذوي الأعذار، وقد رفع الله بفضله الحرج عن أصحاب الأعذار فقال: ((لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)) (سورة النور: 61). أي لا إثم عليهم فيما لا يمكنهم فعله.
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رحمة الصغار، فقد أخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم من نفسه القدوة في ذلك فقد صحح ابن حبان عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم». ولما تزوج عائشة وهي صغيرة السن عاملها على قدر سنها، حتى إنه كان يُسَرِّب إليها صواحباتها يلعبن باللعب البنات الصغار معها، كما كان يحملها على كتفه لتتفرج على الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد.
كما حرم التفريق بين الصغير وبين أمه لأي سبب، فأخرج الترمذي وحسَّنه، وصححه الحاكم عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رضى الله عنه ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وفي رواية الإمام أحمد عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: كُنَّا فِى الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضى الله عنه فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ، وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهَا حَتَّى وَضَعَهُ فِي يَدِهَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ رضى الله عنه فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ... فذكر الحديث.
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس في الصغار قوة الشخصية، ولا يمنعهم من المطالبة بحقهم، ولا يتجاوزهم بغير إذنهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس رضي الله عنهم، فقد أخرج البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلاَمِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟». فَقَالَ الْغُلاَمُ: لاَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ (أي دفعه) رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَدِهِ . وهذا الغلام هو ابن عباس، كما جاء في روايات أخرى.
ويزداد تأكيده وتشديده صلى الله عليه وسلم إذا جمع الصغير بين الطفولة واليتم، فقد أخرج ابن ماجه وصححه الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ». أي أحذر الناس من تضييع حقهما وأزجر عنه زجرا أكيدا.
ويكون التوكيد أشد إذا كان الأطفال من البنات؛ لأنهن جمعن بين ضعف الصغر وضعف الأنوثة، ومن ثم جعل الله الإحسان إليهن من أسباب النجاة من النار، فقد أخرج الترمذي وصححه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».
ومن ذلك: رعاية الأعمى، فإن فقده لبصره أضعفه، ولقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم لما ترك الأعمى برهة من الوقت وأقبل على السادة يدعوهم إلى الإسلام فقال تعالى:((عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (( (عبس: 1-11). وقد أخرج ابن المنذر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا به، فأدناه وقربه وقال: «أنت الذي عاتبني فيك ربي».
ولم يزل محلَّ تقدير النبي وآل بيته، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخلفه على المدينة في بعض أسفاره، فقد أخرج أحمد وأبو داود بسند حسن عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ: «اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ».
وأخرج الحاكم عن الشعبي، قال: دخلت على عائشة وعندها ابن أم مكتوم وهي تقطع له الأترج يأكله بعسل فقالت: «ما زال هذا له من آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم»، وإنما أرادت أم المؤمنين رضي الله عنها نزول سورة عبس وتولى.
كما راعى النبي صلى الله عليه وسلم ضعاف العقل، حتى إنه جعل حكما خاصا لرجل كان يخدع في البيع رحمة به، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ». أي لا مكر ولا خديعة.
وكذلك أوصى صلى الله عليه وسلم بعموم الضعفاء، وبين أن المجتمع الذي يرعى هؤلاء الضعفاء يستحق الرحمة والنصر والرزق من الله تعالى، فقد أخرج أبو داود والترمذي عن أَبي الدَّرْدَاءِ رضى الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ».
وأخرج البخاري عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ رَأَى سَعْدٌ رضى الله عنه أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ». أي ببركتهم وبدعائهم؛ فهم أشد إخلاصاً في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا.
فهل تعي الأمة هذا المعنى ويهتم الجميع بالرعاية الفردية والمؤسسية للصغار والضعفاء وذوي الحاجات؛ حتى تستحق النصر والتمكين وسعة الرزق؟.
أسأل الله أن يرزقنا قلوبا حية رحيمة، ونفوسا طيبة كريمة.
وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



د.عبدالرحيم البر

مازن الطباع
09-13-2008, 05:39 AM
جزاك الله خير

ابو غسان
02-24-2011, 04:31 AM
جزاك الله خير الجزاء
وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك
لروحك الورد وأكثر