المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معالي الوزير


فوزي بيترو
11-22-2008, 11:42 AM
معالي الوزير
كانت الساعة تُشير الى السابعة والنصف صباحا عندما قُرِع الَجرس بمنزل السيد علاّم .
كان قريباً من الباب , يتهيأ للنزول الى عمله . فتحهُ مع اول رنّة , ففوجيء قارع الجرس بالسرعة التي
لبّى بها اصحاب البيت النداء .
بوغِتَ السيد علام بالأستاذ الواقف امامه . وجد فيه رجلا ذوهيبة , ويخطر بملابس انيقة. بدله بنية من
الصوف الأنجليزي وحذاء إيطالي . اما القميص ورباط الرقبة فمن مختارات ارقى المحلات . زد على
ذلك النظارات التي اصبغت على حاملها وقارا ما بعده وقار , وكذلك العطر الذي افعم المكان برائحته
الزكية . حتى ظنّ بهِ أنه رئيس تشريفات الديوان الملكي او مندوبا عن رئاسة الوزراء .
سَرحَ علام افندي بأفكاره , يخلط التمنيات بأوهام ارسى قواعدها وقع المفاجئة اللتي حَطَّتْ عليه على
الريق . فها هو يزيل الحواجز المُقامة بينه وبين ذاته ويهمس لها قائلاً :
ــ ربما يحتاجونني لأمرٍ هام او ربما اكون قد نُسِّبتُ من قبل أحدهم لتولي منصب كبير,أو ربما اكون قد
رُشِّحت لتولي منصب وزير لأحدى الوزارات . ولِمَا لا ؟ فأنا السيد علاّم ومعروف عني كفائتي
وتفانييّ بالعمل . وربما كلمة معالي هي أنسب لفظ يسبق أسمي "معالي الوزير علام " . سبحان اللة ,
كنت على وشك خوض الأنتخابات النيابية علَّني افوز واصبح بيوم من الأيام وزيرا . لكن الحمدللة ,
ها هي قد جائت لوحدها بدون انتخابات وبدون هَمْ .
استيقظ علاّم من حلمه هذا على صوت زوجته تأمرهُ ان يضع كيس النِفايات في حاوية الحارة ريثما يأتي
زبال الحي الجديد ويتصرَّف بها .
يبدو ان صوت الضيف قد نقر طبلتي اذن علام وكأنه إظفر يحك موقع جَرَبْ وهو يقول له :
ـ صباح الخير يا استاذ علاّم .
عاد علام يهمس لذاته مجددا وهو يكاد يرقص من الفرح :
ــ أرأيتُمْ ؟ " صباح الخير يا استاذ علاّم " يعرفون اسمي وعنواني , لا بد انهم قد تحرّوا عني وتيقنوا
من اخلاصي للدولة وللوطن , وها هم الآن يستدعونني من بيتي في هذه الساعة المُبكرة كي التحق
بالوظيفة الجديدة .
مدَّ علام يده يصافح الضيف والأبتسامة تكاد تنطق وهي بكفه قائلاً :
ـ صباح النور يا استاذ .....
مدَّ الآخر يده مندهشاً :
ـ اسمي مُحيي
ـ اسم على مُسمّى يا استاذ مُحيي , ربنا يزيد من امثالك , تفضَّلْ .
ادرك محيي الألتباس الذي وقع به صاحب البيت فقال له وهو ينتع جسده خارج حدود الباب :
ـ الحقيقة انه غير مسموح لنا بدخول المنازل ولا حتى العبور من بوابة السور الخارجي لأي منزل
وهذه هي متطلبات المهمة اللتي نقوم بها .
ربما اصبح الهمس غير مجدي بعد كل هذا الوضوح , فكادت الكلمات ان تنفلت عن لسان الأستاذ علاّم
وهو يتمتم :
ــ فعلا ً, إن توقعاتي كانت سليمة وها قد بدأ الجليد بالذوبان. انه في مهمة عاجلة وسريَّة وعليه ان
ينجزها بالكتمان بلا عواطف وبلا مقدمات .
طرحَ علام التمتمة جانباً , وقال فيما يشبه الرجاء :
ـ اني مُصغي يا استاذ مُحيي , طلباتك اوامر .
عاد يهمس لذاته مجددا وهو يفرك ذقنه بكف يده :
ــ طبعاً يجب ان اظهر امامهم بالشخص المُطيع الوديع والمتواضع الى ان اجلس على الكرسي وبعدها
يخلق اللة ما لا تعلمون .
اجابه محيي والأندهاش على مُحيّاه يزداد رسوخاً :
ـ استغفر اللة يا علاّم بيك ......
اخذ قلب علام يتنطط فرحاً داخل قفصه الصدري كسجين بات الأفراج عنه وشيكاً فهمس لنفسه حتى كاد
هذا الهمس يتجسد كياناً :
ــ اللة! أعِدْ . لقد بدأ يرشح وخاطبني بالبيك . صبراً , سينطق بها " معالي علام باشا "
لم يتمهل محيي حتى لفظ ما في جوفه من كلام وقال في خجل فاضح :
ـ استغفر اللة , إنما جئتُ أستسمحك كي أوقف سيارتي المرسيدس امام منزلكم ريثما أنهي عملي .
لم يشأ علام الإستيقاظ من حلمه واسترسل مخاطبا الواقف امامه وشفتاه ترتعشان قائلا :
ــ ومالُه الشارع كله على حسابك . تفضل صُف المرسيدس وين ما بِدَّكْ وتعال انهي مهمتك على مهلك .
أخذ محي نفسا عميقا ثم قال بحزم :
ــ يا باشا , معاليك .........
ها هو علام يَلْهَثُ وراء يَقينْ ما سيكون بعد طَرَبِه لسماع نغمات " باشا ومعاليك " . فأخذ قلبه يتنطط
كقلب كطفل امامه هدايا العيد وما عليه سوى نزع ورق لَفْ الهدايا عنها . فصرخ صرخة بدت كفقاعة
هواء هائمة ما بين المريء وأمعائه الغليظة قائلا :
ــ ضرب المدفع , وثبت العيد . باشا ومعاليك . اكتر من هيك ما بدي غير معاليق بالبصل والتوم .
ــ يا باشا معاليك غلطان . انا محيي زبال الحي الجديد
اختنق علاّمنا كمن غاص في بركة من الوحل . فانتفضَ صارخاً وكأنه بالون هواء إنفجر من وخزة
دبوس حاد :
ـ ماذا ؟
ـ انا محيي , زبال الحي الجديد ....
بدأ معاليهِ يصحو رويداً رويداً من هول المفاجئة المُصْدِمة اللتي لم تخطر على باله .
إنتصَبَ واقفاً بعد ان نفض الوحل عن جسده , وقال له ببرود وسخرية :
ـ ولماذا يا حضرة السيِّد محيي لم تترك سيارتك المرسيدس امام الفيلا اللتي تقطُنْ بها وتأتي بسيارة
البلدية . ألَيْسَ جنابكَ موظفا عندهم ؟
ـ سوف تتسخ ملابسي يا استاذ ....
ـ مقبولة مِنَّكْ استاذ يا محيي بيك , ولكن , بدلتك ستتسخ على اي حال وانت تنقل الزبالة من مكانٍ لآخر .
ـ لا تقلق , لقد إحتطتُ للأمر , وسترى .
وَقَفَ علاّم بالنافذة يرنو محيي الزبال بينما كان يلتقط أكياس القمامة . فَشَاهَدَهُ يعملُ عارِيَاً كَمَا وَلَدَتْهُ أمُّه .
صَفَنَ صاحبنا , فَبَدَا كتلميذ يستذكرُ الإجابة بعدما تصَفَّحَ ورقة الاسئلة .
ابتسم ابتسامة تُوحي بالتَّحَدي . ثُمَّ قام بالتعرّي . وخرج يَحْمِلُ كيس الزبالة فوق كتفه مهرولا نحو
الحاوية وهو عاري تَمَامَاً ....

همس أنثى
11-22-2008, 08:14 PM
والله ياستاذ فوزي في ناس كثير تعرت وكُشف عن سرائرها
من خلال حبهم لذاتهم ...والمال ...والمنصب ...والجاه ...والخ

دام قلمك استاذ

محمد السقار
11-24-2008, 06:37 AM
الاخ الحبيب الاديب د . فوزي
اسعد الله اوقاتك بالخير

وصورة من تشويهات الباطن لواقعنا المهزوز
تتجلى باسلوبك الراقي الجميل لتكون احدى مخطوطات
التاريخ المبجل لحاضرنا

سلم لنا هذا اليراع وهذا القلب الرائع
كن بخير اخي الحبيب
ولقلبك الورد والود

فوزي بيترو
11-27-2008, 05:46 PM
إنزعي عن هذا الإنسان المال ...والمنصب ...والجاه ...والخ
واذا لم تدثره أخلاقه ومثله العليا سيبقى عارٍ للأبد .
وعلام أفندي المسكين مثالنا على ذلك .
ودمتِ اختي همس أنثى
أخوك فوزي

فوزي بيترو
11-27-2008, 05:50 PM
وصورة من نماذج تعيش بيننا وتختال
أخي محمد السقار أدامك الله عزيزا كريما
أخوك فوزي

عواطف عبداللطيف
12-01-2008, 06:48 AM
ليته بقى يحلم ويستمتع بالحلم

ولا يصحوا على مر الواقع

تخط الحكم

دمت بخير

تحياتي وشكري