المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصيدة الأرملة!


محمد السقار
10-08-2011, 08:14 AM
القصيدة الأرملة!
خيري منصور
؛
بعيدا عن التصنيفات المجازية او حتى المدرسية للقصيدة اليتيمة او ما سماها د. عبد الفتاح كيليطو القصيدة متعددة الأزواج وهي تلك المكرسة للمديح، او حتى عن مقولة موت المؤلف التي غالبا ما اسيء فهمها لرولان بارت، فإن القصيدة الأرملة من طراز آخر تماما.
انها القصيدة التي لا تحبل بعد رحيل شاعرها الا بالحرام، وهي على الأرجح نص يتم الاعتداء عليه من خلال تأويل قسري، يصل حدّ التقويل، فثمة نصوص في الشعر وغيره ايضا تعذب على طريقة قاطع الطريق اليوناني بروكوست، بحيث تعترف بما لم تقترف، لهذا تحولت نصوص شعرية الى أيقونات، او نصوص دينية غير ارضية وبذلك تكون قد فقدت تاريخيتها ولم تعد ممهورة بأصابع من كتبها. ويبدو ان عدوى النص المكتمل، الذي يرى الماضي قادما من المستقبل قد تمددت الى الأدرب وبالتحديد الشعر، ومن سوء حظ شاعر مهم وذي نفوذ على اجيال كالمتنبي ان بعض نصوصه عومل بالمنهج الميثولوجي، ونزع عن سياقيه الزمني والنفسي، فما تبقى من النصّ المحذوف هو خلاصته، اي ما يسمى الحكمة، وهي رغم انها تقطرت من رحيق التجربة الا انها اخفت وراءها تفاصيل حميمة هي من صميم الشعر، لهذا فإن ما يجتذب الورثة من ديوان العرب برمته هو الأبعد عن الشعر والأقرب الى النطق، وقد يكون صحيحا ما قاله فاولي عن التجارب العظيمة التي يتم الانتشاء بها والقليل منها ما يتحول الى تعبير ... وقد يكون هذا القليل هو فائضها، ففي مثال المتنبي، ثمة مفارقة نادرا ما استوقفت النقد المأخوذ بالتنميط ونمذجة النصوص بحيث تقاس الى مثال واحد، فقد يكون ما انتشى به هذا الشاعر اضعاف ما حوّله الى تعبير، لأن ما يسمى الحكم والمواعظ هو خلاصات لقصائد وليس القصائد ذاتها، وحين تكتب عشرات او مئات الدراسات عن نص واحد لا يكون هذا تعبيرا عن قابلية النص لتأويلات لا حصر لها، بل لأن الطرق المطروقة تجتذب الاقدام الامية وغير المغامرة وهكذا تقع الحوافر على الحوافر بتعبير نقادنا القدامى حتى يتعذر علينا معرفة القدمين اللتين اجترحتا الطريق، سواء في غابة او صحراء.
* * * * * * * *
عندما كتب د. كيليطو عن القصيدة متعددة الازواج او الممدوحين، كان يعني ما هو أبعد من توصيف طريف، فقصائد المديح واحيانا الرثاء غالبا ما يعاد انتاجها، لكن بعد تغيير اسم الممدوح او من يجري رثاؤه، لهذا فهي صالحة لكل أوان، وان كانت بالمعنى الابداعي لا تصلح حتى لأن تنتسب الى الشعر... لقد غيّر شاعر عربي اسم الممدوح فقط بعد عقود من كتابة النص المعاد انتاجه، وتكرر هذا في رثاء استبدل فيه اسم المرثي فقط، اما الصفات فهي ذاتها، بكل حمولتها الموروثة، ولم ينج شعر الغزل ايضا من هذا خصوصا بعد ان تحول الى حرفة، وهذا ما دفع ابا نؤاس الى ان يثور ويسخر من الأطلال ويسأل الباكي عليها وعلى بعر الآرام والاثافي : ما ضرّه لو كان جلس؟! لقد كتب نقد غزير عن المديح والتكسب بالشعر سواء كان من خلال الرثاء او اي غرض آخر، لكن هناك دراسات قليلة واستثنائية طرقت بابا آخر، منها ما فعله د. كيليطو بما يتعلق بالمديح، ومنها ما كتبه د. الطاهر لبيب عن الحب العذري من منظور سوسيولوجي، فالغزل بمعناه التقليدي هو نقيض الحب تماما، كما ان النظم لا النثر هو نقيض الشعر، لأنه صفات جاهزة تخلع على اية انثى، وقد لا يميز واحدة من المتغزل بهن عن الاخرى غير الاسم في حال وجوده.
العدوى ذاتها تكررت وانتقلت الى الشعر المكتوب عن الثورات والحراك الوطني ببعديه السياسي والاجتماعي، وكأنه ما من لقاح في ثقافتنا مضاد لهذه الجرثومة فأحيانا لا فرق بين الثورة والممدوح، ما دامت الرؤية هي ذاتها، حيث تنتهي عند اغداق الصفات وبامكان اي ناقد حصيف ان يفعل ما فعله د. ريتشاردز الناقد الانكليزي عندما قدم لطلابه عشرات النصوص غير الموقعة بأسماء شعراء وحصل على نتائج مثيرة ...
ما كتب عن ثورة الجزائر وعن فلسطين واحيانا عن فيتنام اضافة الى ثورات عربية مثل يوليو 1952 في مصر وتموز 1958 في العراق يصعب فرزه بدون ذكر التواريخ او اسماء الامكنة، فالثورة تجريد او مفهوم وليست بشرا وحيثيات وتفاصيل تماما كما هو الحال لدى الممدوح او المرثي ...
وبعد ستة عقود من بواكير شعر الحداثة العربي يكتب الان شعر او ما يظنه اصحابه كذلك عن ثورات لعب الانترنت والفيسبوك دور البطولة فيها، بأشكال ورؤى تقليدية عفّ عنها شعراء مدرسة الإحياء. فما هي اسباب تكرار هذه المفارقات؟ وكيف يمكن لنسر او اي طائر ان يحلق بجناح كامل وآخر مجرد زغب على طرف العنق؟ بالطبع ليس جديدا علينا ان يحاول الفن الرديء ان يستمد شرعيته او شعريته من قضايا نبيلة وعادلة؟ فقد تكرر هذا مرارا واستطاع الفن الرديء ان يشيء الى القضايا التي ينحاز اليها، لأنه يستدين منها ولا يسلّفها، فيفقرها بدلا من اثرائها.
* * * * * *
ولما كان الزواج السفاحي بين والحداثة هو ما أنجب هذه المُسوخ، فالحداثة ليست تقنية او نسجا بمنوال الاخرين بقدر ما هي رؤى وسياقات وانساق، فما أبعد الرقصة الان عن الموسيقة وما ابعدها حتى عن الجسد الراقص ذاته ...
ان هناك على ما يبدو خيمياء مضادة للكيمياء بمعناها العلمي الدقيق، هذه الخيمياء الثقافية لا تحول النحاس الى ذهب او الذهب الى ماس بل تحول الثورة الى خليفة يرتدي الجينز، ما دام المقصود في الحالتين هو الاسترضاء والتزلّف وامتطاء الموجة الأعلى، ويكفي لآلام وعذابات الناس ما لحق بها من بقّ وعَلَق وديدان، تحاول استثمار ما تبقى من انياب النظم التوتالية ومخالب الجنرالات.
هذه الخيمياء اللعينة اصبحت مثل ميداس المعكوس والمقلوب على قفاه، فهو كان يلامس التراب فيحوله الى ذهب، لكنها تلامس الذهب فتحوله الى هباء، ما ان تقترب من حراك نبيل ومضمّخ بالدمع والدم حتى تعيده الى سياق رعوي، وكأن الكتابة اصبحت امتدادا لاقتصاد ريْعي او نمط انتاج لا اكثر ولا اقل... ومن خدعوا الديكتاتور عندما قالوا له ان خطاياه فضائل، قد يخدعون ضحاياه اذا قالوا لهم بأنهم معصومون، وان رذائلهم في حال حدوثها هي فضائل.
* * * * * * * *
الالتباس العميق الذي عانت منه منظومة من المفاهيم حول واقعا برمته الى ما يشبه الاواني المستطرقة، فالديموقراطية والحداثة والاستحقاق وغيرها بدت كما لو انها مستحضرات تجميل لواقع قبيح، وظن البعض ان حرق المراحل ممكن لكي يطرح الزيتون والنخيل الثمار بعد زراعته بعام او بعض عام.
ما من حداثة معفاة من ضرائب الاشتباك مع الاتباعية والفلول الرعوية، وما من ديموقراطية تولد بلحية وشارب، لهذا فقد حلقنا عقودا بأجنحة من شمع تشبه جناحي ديدالوس الاغريقي... وما ان اشرقت الشمس حتى سقطنا مضرجين بغبار صحرائنا ودمائنا معا.
* * * * * *
المسألة اذن بعيدا عن التصنيفات المجازية ليست في كون القصيدة ارملة او عانسا او متعددة الازواج، انها من صميم وعي لم يستطع حتى الان ان يفارق ما ارتهن اليه من مرجعيات... فالمحظور اضعاف المسموح به... واللامفكر فيه اضعاف المُفَكر فيه، وثمة قارة غارقة بانتظار الكشف عن كائناتها!
moh

هناء المهنا
10-18-2011, 11:09 PM
الف شكرا للموضوع


كل التقدير

ابو غسان
10-21-2011, 05:30 AM
أشكرك على المجهود
الرائع والنقل المميز
مع الود والتحية
لروحك الورد وأكثر

ياسمين ربيع
11-24-2011, 10:49 AM
القدير
محمد السقار
بارك الله بك وبهذا الانتقاء الرائع
محبتي والياسمين
udkd

زمان البوح
11-24-2011, 01:29 PM
الف شكر سيدي ...على كل ما تسعون اليه من أجل أن نرتل القصيدة بحال أفضل ..

هدى طالب
01-05-2012, 10:26 PM
محمد السقار
انتقاء مميز وتقديم راق
سلم ذوقك واختيارك المميز
ود وجنائن ياسمين لروحك