المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا عزيزي كلنا عيسو


فوزي بيترو
01-31-2009, 12:19 PM
يا عزيزي كلنا عيسو
لا تجزع يا عيسو. دَعْ قلبك يَزدَهِر بالثقة ويطمئن. إنَّهُ كابوس. افتح عينيك فيزول عنك
لحظة تَعِي انك كنت تحلم .

أصبح هذا الكابوس رفيق نومي , حتى بِتُّ لا اكاد اغفو حتى يأتيني فيُكبلني من رأسي
حتى أصابع قدمي . يشل حركتي تماماً وكأني أغوص داخل حوض من الرمال المُتحركة ,
فيَنجَذِبُ جسدي نحو قعر لا حَدَّ لهُ .
انطويتُ على عجزي راجيا الخلاص . فتسربلت بالنصيب حتى ضاق حالي من حالي .
كان أقصى ما أتمنّى وأنا مُقَيَّد بهذا الكابوس , هو ان اُحَرِّك إصبعاً او ان أرمش , فِينصرف
عني هذا الزائر ثقيل الظل . كنت ,ُ وبكل زيارة له افتح عيني فأصحو وألحظ تنميل في اذني
من أثر ُثِقَلْ رأسي فوقها , ثم أعود للنوم حامداً ربّي .
الغريب بالأمر, انه وبرغم كوني مسكونا لهذا الكابوس المرعب , فإني كنت أشاهد وأعي ما
يدور حولي وكأني لستُ نائماً . لا بل كنتُ اصرخ مُستغيثاً بزوجتي , حتى انني كنت امد
يدي نحوها محاولاً ايقاظها كي تنشلني مِمَّا انا به .
لكن بلا فائدة .
ربما كنت أظن انني استطيع الحركة . بينما انا في واقع الأمر , أكون متخشبا كالّلوح .
الحق اقول لكم , انني مع بداية كل كابوس كنت افزَعْ وأرتعِبْ وبعد هنيهة أبدأ بالأسترخاء
والأطمئنان , لِتيَقُّني أنه سيزول عندما افتح عيني وأكتشف اني كنت بحالة حلم ليس إلاّ .
يبدو ان هذه المرَّة تختلف عن سابقاتها . لقد طال سريان مفعول هذا الكابوس .
كأني اسمع صوت آذان الفجر . كأني ارى اشعة الشمس تشق طريقها مُتجاوزة الأفق .
ربي ألطُفْ بي . نبضي آخِذٌ بالتناقص ورئتاي مُتقلصتان لا تقويان على استيعاب الهواء او
شفطه. أشعرُ ببرودة بدأت تنخر أطرافي وتنفذ الى نخاع عظمي والى ما تبَقَّى من دفئٍ داخل
ثنايا جسدي .
الحمدُ للة, ها هي زوجتي تتململ. سوف تصحو وتنهرني كي اقوم لعملي.
لقد نَهَرَتني بالفعل . ولكني لا استطيع , ولم اقوى على الأستجابة لندائها .
فهاتفتها بحماس وحرارة قائلاً لها :
ــ هِزِّيني يا امرأة , هِزِّيني بقُوّة .
رَفَعَتْ الغطاء عن وجهي , وصَرَخَتْ صراخاً مُرّاً .
فهاتفتها بحماس أشدّ , ثم مستدركا في رجاء :
ــ انا لست بميت . هِزِّيني يا امرأة , هِزِّيني .
هرع اولادي الى الغرفة مفزوعون . أعادوا وضع الغطاء فوق رأسي بعد ان بحلقوا بي .
ارتسمت فوق أساريرهم اشارات توحي بحزن شديد ,فأجهشوا بالبكاء , وربتوا فوق كتف
امهم يقبلونها ويُبعِدونها عنّي الى خارج الغرفة .
بدوت كالغريق , لا حول لي ولا قوة . فاجتاحني غضب ثم هتفت :
ــ اللعنة على الغباء , انا الذي يحتاج ان تُطبطبوا علية وتقبلوه. هيّا إفعلوا قبل فوات الأوان ,
عللني اصحو وينزاح عني وعنكم هذا الكابوس .
انا الآن بنظرهم مَيِّتْ , وسوف أدفنُ حياً .
لكن مهلاً , حتماً سيحتاجون الى شهادة وفاة . عندها سيكتشف الطبيب اني لستُ ميّتاً ,
وإنما نائم او في حالة غيبوبة مؤقتة .
طوى الطبيب سمّاعة الفحص ودسّها داخل شنطته ثم قال مستسلماً :
ــ رحمة الله عليك ياعيسو . البركة فيكم وشِدّوا حيلكم .
هتفتُ بلا وعي :
ــ افحصني جيداً ايُها الطبيب ولا تتمادى بالثقة , قلبي لم يزل ينبض ويلعن اللحظة التي
دَخَلْتَ بها عَلَيّ .
إتَّجَهَ ابنى البكر نحو عمه هامسا بأذنه :
ــ عمي يعقوب , من فضلك إنزع عن ابي ملابسه هذه وهَيِّؤهُ ببدلة عرسه كي يُدفن بها ,
ولا تنسى ان ترش عليه قليلا من عطره المفضل .
مَنْ هذا الذي سيُكفنني ويُلقي بي في القبر؟ ألا تعرف يا بُني ان عمك هذا هو ألَدْ أعدائي؟
فكيف باللة تأتمنهُ على جسد أبيك ؟
تمَهَّلْ يا رجل , تمَهَّل , ستكسر عظامي. لا, لا, ربطة العنق هذه لا احبها اني امسح بها
نِعالي .
حتى وبهذا الموقف , ترغب في اذلالي يا يعقوب . سرقتني حيَّاً ؟
وها انت تقذف بي في القبر حيَّاً .
لا بد ان أضع حداً لهذه المهزلة . سأفتح عيني وأرى ؟
لا فائدة , لم أزل مُتَيَبِّساً كقطعة جليد داخل ثلاّجة .
واكفهرَّ وجه عيسو حتى حاكى لون بدلة عرسه الزرقاء .
تناهى الى اذنيه هدير اناشيد مثقلة بالمعاناة :
"وين الملايين , الشعب العربي فين ؟"
انه صوت مذياع المقهى المُلاصق للمقبرة . لقد دفنوه وانصرفوا عنهُ .
"وين الملايين , الشعب العربي فين ؟"
غشيتهُ كآبة ثقيلة . فهل يمتثل ويرضى بما قُسِم ؟
تدفَّقَ الدم في عروقه كسيل جارف وصرخ بعد ان نفذ صبره :
ــ اني قادم .
فَتَحَ عينيه وأخذ نفسا عميقا من خياشيمه . اكتشف ان الكابوس الذي حلَّ عليه لم يكن حلما
بل كان واقعاً , وانه قد دُفِنَ حقيقة .

حملق في الظلام الدامس , فبدا يطالعه بوجه الموت . لملمَ قواه واندفعَ منطلقاً من القبر ,
اخترق خشب التابوت والتراب اللذي فوقهُ . وطارَ كقذيفة نحو السماء ثم هوى فوق الصليب
الذي وضع كشاهدٍ لقبرِه .
جالَ ببصره والقمر المستتر خلف غيمة داكنة السواد يُطِلُّ لبرهة يرمقه قبل ان يختفي .
وأناشيد يراع المقابرالتي تُشِعُّ نورا تؤنسه وترشده .
فإذا بالقبور حوله مُستباحةٌ , والموتى كلٌ عالقٌ فوق صليبه.
صرخ صرخة مدويّة , وامتشقَ صليبَهُ كالسيفِ ونهضْ . فنهضَ معهُ مَن كان مَيّتاً
وساروا خلفهُ نحو مصدر الصوت الآتي من المقهى .

صحوة الموتى

صبحي الخطيب
01-31-2009, 08:37 PM
أعجبني ما قرأت هنا ..
استعارة جميلة جداً ..
ولكن هل ينتهي الصراع بين عيسو ويعقوب ذات يوم !!!!
لستُ أدري حقاً .
ولكن هل كنتَ في كابوس في الأصل ؛
أم أنك كنتَ من ساهم في موتك ؟
أيضاً لستُ أدري ..
كنتَ منسجماً في نقل الصورة الرمز ؛
ولكنك عدتَ وحاولت تقريب الصورة للقارئ ؛
علّه لم يفهم :)
وين الملايين ؟؟ والشعب العربي وين ؟؟!!
هم موجودون يا أخي ..
ولكن يحتاجون إلى تشخيص حكيم حكيم !!
فهل لديكم حل ؟؟؟!!!!
شكراً لأنني قرأتُ ما كتبت ..
تحياتي

فوزي بيترو
01-31-2009, 10:40 PM
تحليلك للقصة اخي المواظب صبحي الخطيب
أضاف للقصة ابعاداً كنتُ غافلاً عنها . أشكرك .
واعلم يا صديقي العزيز ان الشيء الذي ازعجني بينما كنت اكتبها
هو الفقرة التي طلب فيها الإبن من عمه تهيئه والده بالبدلة
لأنه ربما إخوتنا المسلمون لا يعون هذه العادة التي هي لدينا نحن المسيحيون
على كل حال اشكرك .
وبالمناسبة تذكرت نكتة لها علاقة بالموضوع . تقول النكتة :
في يوم من الأيام مات واحد مسيحي وتم دفنه بالخطأ في مقبرة المسلمين .
وفي كل ليلة كان يزعق عليه موتى المسلمين قائلين له :
يا حنا روح جبلنا صحن فول . ما انت لابس لابس . يا حنا روح جبلنا دخان ما انت لابس لابس ...

محمد السقار
02-01-2009, 11:43 AM
يشدني هذا الاصرار عل تلك
القيم وتلك المبادي الجميله التي يحيد
الاغلبيه عنها في زماننا الحاضر
كم انت رائع وانت تحاول تجسيد هذه
الذاكرة العاطره في جسد الحاضر

كن بخير
محبتي وتقديري واعتزازي

رنين القيد
02-01-2009, 02:58 PM
:

قرأت الجمال هنا

أستاذي فوزي بيترو

أسلوبك شيق جداً

وإسترسالك عذب

فقد عشت تلك اللحظات حقاً

لك الود والورد

تحياتي

رنين القيد

فوزي بيترو
02-10-2009, 10:54 AM
يشدني هذا الاصرار عل تلك
القيم وتلك المبادي الجميله التي يحيد
الاغلبيه عنها في زماننا الحاضر
كم انت رائع وانت تحاول تجسيد هذه
الذاكرة العاطره في جسد الحاضر

كن بخير
محبتي وتقديري واعتزازي

اذا حدنا عن القيم والمباديء اخي الجميل محمد السقار
فإلى اين ستقودنا خطواتنا ؟
ولك ودي
اخوك فوزي بيترو

فوزي بيترو
02-10-2009, 10:57 AM
:

قرأت الجمال هنا

أستاذي فوزي بيترو

أسلوبك شيق جداً

وإسترسالك عذب

فقد عشت تلك اللحظات حقاً

لك الود والورد

تحياتي

رنين القيد

هذا لطف منك اختي رنين
واتمنى ان اكون عند حسن الظن
ودمتِ
فوزي بيترو

فوزي بيترو
02-10-2009, 11:02 AM
الفاضل فوزي

عتبة رائعة تلك التي افتتحت بها نصك


وصورة اجمل تلك التي قاربت بينها وبين الذات

قلتها يوما


القاص فوزي
لا يخاطب اي قارئ

نعم اختي الفاضلة والعزيزة حفيظة
لقد وضعت اصبعك على ما ارمي اليه
ألا وهو " العتبة التي افتتحت بها النص "
ولك مني كل التقدير
اخوك فوزي بيترو