المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر معروف الرصافي


عواطف عبداللطيف
03-31-2009, 03:35 AM
[ولد في بغداد عام 1292هـ/1875م، ونشأ فيها حيث أكمل دراسته في الكتاتيب، ثم دخل المدرسة العسكرية الإبتدائية فتركها، وأنتقل إلى الدراسة في المدراس الدينية ودرس على علماء بغداد الأعلام كالشيخ عبد الوهاب النائب، والشيخ قاسم القيسي، والشيخ قاسم البياتي، والشيخ عباس حلمي القصاب، ثم أتصل بالشيخ العلامة محمود شكري الألوسي ولازمهُ أثنتي عشرة سنة، وتخرج عليهِ وكان يرتدي العمامة وزي العلماء وسماهُ شيخهُ الألوسي (معروف الرصافي) ليكون في الصلاح والشهرة والسمعة الحسنة، مقابلاً لمعروف الكرخي.

وعين الرصافي معلماً في مدرسة الراشدية التي أنشأها الشيخ عبد الوهاب النائب، شمال الأعظمية، ثم نقل مدرساً للأدب العربي في الأعدادية ببغداد، أيام الوالي نامق باشا الصغير عام 1902م، وظل فيها إلى أعلان الدستور عام 1908م، ثم سافر إلى استانبول فلم يلحظ برعاية ، ثم عين مدرساً لمادة اللغة العربية في الكلية الشاهانية ومحرراً لجريدة سبيل الرشاد عام 1909م، وأنتخب عضواً في مجلس المبعوثان عام 1912م، وأعيد أنتخابه عام 1914م، وعين مدرساً في دار المعلمين في القدس عام 1920م، وعاد إلى بغداد عام 1921م. ثم سافر إلى الإستانة عام 1922م، وعاد إلى بغداد عام 1923م، وأصدر فيها جريدة الأمل، وأنتخب عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق، عام 1923م، وبعد ذلك عين مفتشاً في مديرية المعارف ببغداد عام 1924م، ثم عين أستاذاً في اللغة العربية بدار المعلمين العالية عام 1927م.

ولقد بني لهُ تمجيداً لذكراه تمثالاً في الساحة المقابلة لجسر الشهداء عند التقاطع مع شارع الرشيد المشهور قرب سوق السراي والمدرسة المستنصرية الأثرية
فللرصافي مشاهد كثيرة في الحكم والأوصاف والأقاصيص الحزينة التي تظهر بؤس وفقر الأمة ومقاومتها للاستبداد وظلم الأجنبي، بالإضافة إلى آرائه الحدية في السياسة وانتقاد السلطة، فهو يدعو إلى الثورة الاجتماعية والسياسية ليعم الرخاء ولتنعم البلاد بالحرية والمساواة.

توفي الرصافي بدارهِ في محلة السفينة في الأعظمية ليلة الجمعة في ربيع الثاني عام1364هـ/16 مارس 1945م، وشيع بموكب مهيب سار فيهِ الأدباء والأعيان ورجال الصحافة ودفن في مقبرة الخيزران، وصلى على جنازتهِ الشيخ حمدي الأعظمي، وشهد الصلاة عليه الشاعر وليد الأعظمي، ولقد قالوا في تأبينهِ قصائد كثيرة.

عواطف عبداللطيف
07-25-2009, 06:34 PM
هي الأخلاق تنبـت كالنبـات = إذا ُسقِيَت بمـاء المكرُمـات
تقـوم إذا تعهّدهـا المُرَبّـي = على ساق الفضيلة مثمـرات
وتسمـو للمكـارم باتِّـسـاق = كما اتّسقـت أنابيـب القنـاة
وتُنعش من صميم المجد روحاً = بأزهـار لهـا ُمتَضـوِّعـات
ولم أر للخلائق مـن مَحَـلّ = يهذّ بهـا كحِضـن الأمهـات
فحضن الأم مدرسة تسامـت = بتربيـة البنيـن أو البـنـات
وأخلاق الوليد تُقـاس حسنـاً = بأخـلاق النسـاء الوالـدات
وليس ربيب عاليـة المَزايـا = كمثل ربيب سافلـة الصفـات
وليس النبت ينبُت في ِجنـان = كمثل النبت ينبت فـي الفـلاة
فيا صدر الفتاة رحُبت صدراً = فأنت مقرّ أسنـى العاطفـات
نراك إذا ضممت الطفل لوحاً = يفوق جميـع ألـواح الحيـاة
إذا أستند الوليد عليك لاحـت = تصاوير الحَنـان مصـوَّرات
لأخلاق الوليد بـك أنعكـاس = كما انعكس الخيال على المرآة
وما ضَرَ بان قلبكَ غير درس = لتلقين الخصـال الفاضـلات
فأول درس تهذيـب السجايـا = يكون عليك يا صـدر الفتـاة
فكيف نظُـنّ بالأبنـاء خيـراً = إذا نشؤوا بحِضن الجاهـلات
وهل ُيرجى لأطفـال كمـالٌ = إذا أرتضعوا ثُدِيّ الناقصـات
فما للأمهـات جهِلْـن حتـى = أتَيْن بكـلّ طَيّـاش الحصـاة
حَنَوْن على الرضيع بغير علم = فضاع حُنُوّ تلك المرضعـات
أؤم المؤمنيـن إليـك نشكـو = مصيبتنـا بجهـل المؤمنـات
فتلـك مصيبـة يـا أم منهـا = نكاد نغـص بالمـاء الفـرات
تخذنا بعـدك العـادات دينـاً = فأشقى المسلمون المسلمـات
فقد سلكوا بهنّ سبيـل خُسْـر = وصدّوهنّ عن سُبُـل الحيـاة
بحيث لزِمن قعر البيت حتـى = نزلْـنَ بـه بمنـزلـة الأداة
وعَدُّوهنّ أضعف مـن ذبـاب = بلا جنح وأهون مـن َشـذاة
وقالوا شرعة الإسلام تقضي = بنفضيل الذين علـى اللواتـي
وقالوا أن معنى العلم شـيءٌ = تضيق به صـدور الغانيـات
وقالوا الجاهلات أعفّ نفسـاً = عن الفحشا مـن المتعلّمـات
لقد كذَبوا على الأسلام كذبـاً = تزول الشُمّ منـه مُزَلـزَلات
أليس العلم في الأسلام فرضاً = على أبنائـه وعلـى البنـات
وكانت اُمّنا في العلـم بحـراً = تَحُـلّ لسائليهـا المُشكـلات
وعلّمهـا النبـيّ أجـلّ علـم = فكانت مـن أجـلّ العالمـات
لذا قال أرجعـوا أبـداً إليهـا = بثُلثَـيْ دينكـم ذي البيّـنـات
وكان العلـم تلقينـاً فأمسـى = يُحَصَّل بانتيـاب المدرسـات
وبالتقرير من كتـب ضخـام = وبالقلـم المُمَـدّ مـن الـدواة
ألم نرَ في الحسان الغيد قبـلاً = أوانـس كاتبـات شاعـرات
وقد كانت نساء القـومِ قدمـاً = يَرُحن إلى الحروب مع الغُزاة
يكنّ لهم على الأعـداء عَوْنـاً = ويَضمِدن الجروح الداميـات
وكم منهنّ من اُسرت وذاقـت = عذاب الهُون في أسر العـداة
فماذا اليومَ ضَرَّ لـو التفتنـا = إلى أسلافنا بعـضَ الْتِفـات
فهم ساروا بنهج هدىً وسِرنـا = بمنهـاج التفـرُّق والشَتـات
نرى جهل الفتاة لهـا َعفافـاً = كأن الجهـل ِحصـنٌ للفتـاة
ونحتقـر الحلائـل لا لجُـرمٍ = فنُؤذيـهـنّ أنـــواع الأذاة
ونُلزِمهنّ قعر البيـت قهـراً = ونحسبهنّ فيـه مـن الهَنـات
لئن وَأدوا البنات فقـد قَبَرنـا = جميع نسائنـا قبـل الممـات
حجبناهنّ عن طلب المعالـي = فعِشـن بجهلهـنّ مهتّـكـات
ولو عَدِمت طباع القوم ُلؤمـاً = لما غدت النسـاء محجّبـات
وتهذيب الرجال أجَلّ شـرط = لجعـل نسائهـم متهـذّبـات
وما ضرّ العفيفةَ كشفُ وجـهٍ = بـدا بيـن الأعفّـاء الاُبــاة
فدىً لخلائق الأعراب نفسـي = وأن وُصِفـوا لدينـا بالجُفـاة
فَكم برزت بحَيّهـم الغوانـي = حواسر غيـر مـا متريّبـات
وكم خشف بمربعهـم وظبـيٍ = يمرّ مـع الجدَايـة والمهـاة
ولولا الجهل ثَمّ لقلت مَرْحـى = لمن ألِفوا البداوة فـي الفـلاة

عواطف عبداللطيف
07-25-2009, 06:52 PM
لقيتها ليتني ما كنت القاها =تمشي وقد أثقل الأملاق ممشاها
أثوابها رثّةٌ والرجل حافية=والدمع تذرفه في الخدّ عيناها
بكت من الفقر فاحمرّت مدامعها=واصفرّ كالورس من جوع محيّاها
مات الذي كان يحميها ويسعدها=فالدهر من بعده بالفقر أشقاها
الموت أفجعها والفقر أوجعها =والهمّ أنحلها والغمّ أضناها
فمنظر الحزن مشهود بمنظرها = والبؤس مرآه مقرون بمرآها
كرّ الجديدين قد ابلى عباءتها = فانشقّ أسفلها وانشق أعلاها
ومزّق الدهر ويل الدهر مئزرها= حتى بدا من شقوق الثوب جنباها
تمشي بأطمارها والبرد يلسعها =كأنه عقرب شالت زباناها
حتى غدا جسمها بالبرد مرتجفا = كالغصن في الريح واصطكّت ثناياها
تمشي وتحمل باليسرى وليدتها =حملاً على الصدر مدعوماً بيمناها
قد قمّطتها بأهدام ممزّقة =في العين منثرها سمبحٌ ومطواها
ما أنس لا أنس أنيّ كنت أسمعها =تشكو إلى ربّها أوصاب دنياها
تقول يا ربّ لا تترك بلا لبن=هذي الرضيعة وارحمني وإياها
ما تصنع الأم في تربيب طفلتها=أن مسّها الضرّ حتى جفّ ثدياها
يا ربّ ما حيلتي فيها وقد ذبلت = كزهرة الروض فقد الغيث أظماها
ما بالها وهي طول الليل باكية = والأم ساهرة تبكي لمبكاها
يكاد ينقدّ قلبي حين أنظرها =تبكي وتفتح لي من جوعها فاها
ويلمّها طفلة باتت مروّعةً =وبتّ من حولها في الليل ارعاها
تبكي لتشكوَ من داءٍ ألم بها =ولست أفهم منها كنه شكواها
قد فاتها النطق كالعجماء أرحمها =ولست أعلم أيّ السقم آذاها
ويح ابنتي أن ريب الدهر روّعها =بالفقر واليتم آها منهما آها
كانت مصيبتها بالفقر واحدة =وموت والدها باليتم ثنّاها
هذا الذي في طريقي كنت أسمعه =منها فأثرّ في نفسي وأشجاها
حتى دنَوت إليها وهي ماشية=وادمعي أوسعت في الخد مجراها
وقلت يا أخت مهلاً أنني رجل =أشارك الناس طرّاً في بلا ياها
سمعت يا أخت شكوىً تهمسين بها=في قالة أوجعت قلبي بفحواها
هل تسمح الأخت لي أني أشاطرها = ما في يدي الآن استرضي به اللها
ثم اجتذبت لها من جيب ملحفتي = دراهماً كنت استبقي بقاياها
وقلت يا أخت أرجو منك تكرِمتي =بأخذها دون ما منٍّ تغشاها
فأرسلت نظرةً رعشاءَ راجفةً=ترمي السهام وقلبي من رماياها
وأخرجت زفرات من جوانحها=كالنار تصعد من أعماق أحشاها
وأجشهت ثم قالت وهي باكية=واهاً لمثلك من ذي رقة واها
لو عمّ في الناس حسَنٌ مثل حسّك لي=ماتاه في فلوات الفقر من تاها
أو كان في الناس انصاف ومرحمة= لم تشك أرملة ضنكاً بدنياها
هذي حكاية حال جئت أذكرها =وليس يخفي على الأحرار مغزاها
أولى الأنام بعطف الناس أرملةٌ= وأشرف الناس من في المال واساها

عواطف عبداللطيف
07-25-2009, 06:58 PM
سمعت شعراً للعندليب = تلاه فوق الغصن الرطيب
إذ قال نفسي نفس رفيعه = لم تهو إلا حسن الطبيعة
عشقت منها حسن الربيع = أحسن بذاك الحسن البديع
فالعيش عندي فوق الغصون = لا في قصور ولا حصون
أطير فيها لفرط وجدي = من غصن ورد لغصن ورد
وفي فروع الأشجار بيتي = فالظل فوقي والزهر تحتي
فسل نسيم الأسحار عنّي = كم هزّ عطف الأغصان لحني
وسل يشدوي زهر الرياض = أني بحكم الأزهار راض
فكم زهور لِما أفوه = أصغت وقالت لا فضّ فوه
يا قوم إني خلقت حرّاً = لم أرض إلا الفضا مقرّا
فإن أردتم أن تؤنسوني = ففي المباني لا تحبسوني
وإن أردتم أن تنطقوني = فأطلقوني فأطلقوني