مشاهدة النسخة كاملة : قصة من الوان بلدي - حليط
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:31 AM
صاحب هذ الشخصية والذي هو بطل قصتنا
هو صاحب شخصية قوية كان بالامس له الجولات والصولات
ومن اعجابي به وددت ان اترك بين ايديكم بعض
السطور التي تحاكينا عن بطل شخصيتنا هنا
وهو عبد الرزاق كايد العشيبات
المشهور بشخصية حليط
كتبت هذه القصة بقلمي " على لسان الاستاذ الكبير
خالد العشوش والذي اكن له كل المودة والاحترام
حيث ان هذه القصة حقيقة وما زال بطلها على قيد الحياة
حتى يومنا هذا والاماكن التي ستذكر في القصة
اماكن حقيقية ما زالت موجودة ايضا
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:33 AM
واو الذكر بان بعض الشخصيات التي ستذكر بالقصة هي ايظا حقيقية
وقد رحلت بالامس القريب الى الرفيق الاعلى
سنبدا على بركة الله
حلـــــــــــيط ...........
كان أخر عهدي به منذ فترة طويلة جدا ,عندما كان في عنفوان شبابه وعطائه , بعد ذلك كنت أراه على فترات متقطعة , لم أتمكن خلالها من تعرف أحواله وظروفه, و ويبدو الأمر مختلفا هذه المرة عندما رأيته يسير مترنحا, زائغ النظرات , تائهها , يتوكأ بيده اليسرى عصا كثيرة النتؤات , وكأنما قطعت لتوها من شجرة شديدة اليباس , فيما كان بيده اليمنى يتأبط ذراع زوجته التي دلفت به إلى ردهة المشفى , أمعنت النظر في (حليط) حد الاستغراب , سائلا نفسي أمن المعقول أن يكون هذا حليط ( أبو توفيق ) الاسم الأشهر في تاريخ قريتنا ؟! (حليط) الذي كانت الناس تقطع المسافات الطوال لسماع صوته وموسيقاه , حليط الذي لو قدر له لقاء (عبد الوهاب) لكان من الأسماء اللامعة في عالم الفن , ربما أكون في مشاعري هذه وأنا أراه , الوحيد الذي ساءه ما كان عليه (حليط) من حالة يرثى لها , في الوقت الذي كان غيري لا يعيره أدنى , اهتما م0
(حليط) واحد من أربعة فرسان اشتهروا في قريتنا بفنهم الشعبي الرفيع , كان هو عازف الإيقاع ( الدربكة ) الأول أما الثاني فكان (محمد مونس) عازف الناي ( الشبابه ) الأول أيضا , أما الثالث وهو أسطورة زمانه في قريتنا, وكان كفيفا ( أبو علوان ) عازف إيقاع أيضا , كان اسمه عند بعض النابهين من قريتنا يقترن باسم (سيد مكاوي) , أما الرابع فكان ( أبو رمزي ) الذي كان يتناوب العزف على شبابته المزركشة بالخرز الملون مع (محمد مونس) 0
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:34 AM
ولا ادري لماذا أجد علاقة بين الفرسان الاربعه ( دارتنيان) المعادل الموضوعي بالنسبة لي (لحليط) و ( بورتوس واراميس واتوس) كمعادل موضوعي أخر ل ( أبو علوان ومحمد مونس و أبو رمزي ) علما أن وجه الشبه بين الفريق الأول والثاني مختلف جدا , وليس ثمة علاقة بين عالم الغناء والعزف من جهة, وبين عالم الفروسية من جهة أخرى , ولكني ومن وجهة نظري كنت انظر إلى الموضوع من زاوية أنهم أربعة لا يساوم الواحد فيهم على الأخر, وكان شعارهم (اصرف ما في الجيب , يأتي ما في الغيب ) وهو موازي لشعار ( الواحد للجميع والجميع للواحد ).
كان حليط ( أبو توفيق ) القاسم المشترك بين الأربعة , بصوته العذب وكان إلى جانب (أبو علوان) يشكلان ثنائي في العزف على ( الدربكة ) فيما ( أبو رمزي ومحمد مونس) يشكلان ثنائي في العزف على الشبابه , يقودهم في ذلك ويوزع الأدوار بينهم ( حليط ) 0
الغريب في الأمر أيضا أن ( حليط ) مع الثلاثة ( أبو رمزي وأبو علوان ومحمد مونس ) وباتفاق منظم لا يحيون أية (رقصه) ومهما كانت إلا بوجودهم معا , الأمر الذي جعل أهل القرية مجبرين على إحضار الأربعة , تحت أي ظرف كان 0
وأصبح لدى الجميع قناعة مطلقة بأن أية ( رقصه أو دبكه ) لا يوجد فيها الاربعه محكوم عليها بالفشل الذريع .وأصبحت ( دربكة أبو علوان ) و( شبابةابو رمزي ومحمد مونس ) مضرب مثل واعتزاز عند أهل القرية , أما أي صوت غير صوت (حليط) فهو مرفوض رفضا قاطعا .
في ركن قصي - وربما لأول مرة ذهبت بصحبة أبناء الحارة لرؤية الفرسان الأربعة , لقرب المسافة من ناحية, ولشغفي الشديد في استكشاف عالم (حليط وأبو علوان ومحمد مونس وأبو رمزي ) من ناحية أخرى - جلست انتظر حضورهم فيما حشد كبير من الناس كانوا يشكلون حلقة واسعة للدبكة , وفي زاوية من زوايا الحلقة ترك فراغ للأربعة , ليس فيه إلا ستة قطع من الطوب, وضعت فوق بعضها , كل قطعتين معا ليجلس عليها حليط وفريقه , وفوق قطع الطوب وضعت قطع من مفارش بالية, لم تعد ثمة حاجة إليها كعلامة مميزة للأربعة .
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:35 AM
وكنت وببراءة أتابع المشهد الملحمي أمامي , رأيت في وجوه المنتظرين رغبة جامحة لقدوم حليط وفريقه وانتظار شبه محموم لسماع صوت (حليط ), بل إن الأمر كان يصل حد الرغبة في مصافحته والتبرك بقدومه , أدركت فيما بعد أن (حليط ) وفريقه وفي قريتنا بالذات التي كانت تعيش حالة من الاختناق
الاجتماعي والفكري , هم مصدر سعادة وفرحة شريحة كبيرة من أهل القرية, الذين كانوا محرومين من أشياء كثيرة , وان العالم كان بالنسبة لهم مجرد (عرائش وخشش)ليس غير...
وشق الانتظار والترقب هتاف وصرخات الحاضرين ( جاء حليط .... جاء حليط ومعه أبو رمزي ومحمد مونس وابوعلوان كمان ) وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير , فيما وعلى استحياء مددت عنقي باحثا عن (حليط) وراغبا برؤية الكفيف الذي أذهل الناس بعزفه على ( الدربكة ) شاهدتهم الأربعة وشاهدت معهم شخصا خامسا يدعونه ( احمد عواد ) يقولون بأنه معاون لحليط في الترديد والغناء ...
كانوا يستقلون ( تراكتور المسي ) الذي أحضرهم إلى المكان , بحثت بعيون زائغة خائفة عن ( حليط ) كان يجلس إلى يمين السائق على الجناح الأيمن (للتركتور) يقابله على الجهة الأخرى (أبو رمزي ) أما محمد مونس وابوعلوان واحمد عواد , فكانوا يجلسون في العربة, يتوسطهم أبو علوان الذي كان يمسك (دربكته)بعطف أبوي ليس له مثيل 0
لم ينتظر احد نزول حليط وفريقه من ( التراكتور ) ,فقد قفزت مجموعة من الشباب الواعدين والحالمين بمرافقة حليط وفريقه وحملتهم على الأكتاف, وأجلستهم في الأماكن المخصصة لهم , فيما راح احمد عواد يحمي ( الدربكات ) ......
وأبو رمزي ومحمد مونس يجربون شباباتهم للعزف , في انتظار شارة البدء من (حليط )الذي كان يهمس في أذن احمد عواد للاتفاق على المقاطع التي سيبدأون بها ملحمتهم التاريخية .
وشيئا فشيئا بدأت ليلة من ليالي القرية, وأخذ صوت حليط وبعذوبة نادرة يشدو بعذب الألحان, التي وحتى لحظة متأخرة كنت اصغر من أن افهم منها شيئا , مع أن معظمها كان ترديدا لاغاني معروفة ومشهورة , ولم أكن ادري لماذا كان الحاضرين يتمايلون طربا على تلك الأنغام , بل أني لم أكن افهم ماذا تعني ألفاظ من مثل ( أحلى .... أحلى ابوتوفيق ) ويقصدون حليط احتراما وتبجيلا ) و ( اعطي ..... اعطي يسلم هالصوت ) أو ( اردف ) عندما تشتد حرارة الدبكة وقوتها ) الأمر الذي يدفع أعدادا كبيرة من المتجمهرين للمشاركة في الدبكة والرقص فيها حتى ساعات الفجر , وقولهم ( ولعت ) اذا بلغت الدبكة حد ارتداء ملابس النساء من قبل الرجال , للنزول بها إلى ساحة الرقص, ومحاكاة النساء في رقصاتها
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:35 AM
0
ادهشني الثنائي الجديد (احمد عواد ) وهو يردد مع حليط ( الله يلعن الدخان اللي سببلي الدوخان, كل ساعة عالدكان يا غريب روح عبلادك يا غريب ) ليرد عليه حليط ( يابو تكسي ملاكي خذي أحمد ويياكي خلي يعشق دواكي على كده وكده ما يناموش , ما يناموش عشاق الليل ما يناموش ياليل يا عين ) ووسط هذه الاحتفالية البسيطة كان (أبو علوان) وبمعاونة من أحد الواقفين يجذب نفس سيجارة يضعها على فمه ذلك المعاون , وما أن تنتهي سيجاره حتى يطلب غيرها دون أن يرفض له طلب , فيما شخص أخر كانت مهمته مسح عرق (حليط )وتجفيفه وتقديم الماء له , ولا ادري لماذا دفعني الفضول للاقتراب , درت دورات عديدة حتى اشق لي طريقا وسط الملتصقين , كانت الأكتاف أقوى من أن أزحزحها أو أحركها , وإذا ما أفلحت , كان يدفعني احدهم زاجرا وساخطا, لأني اختلست منه شيئا من نشوته بسماع صوت ( حليط ) فقط ومن مكان ضيق جدا, بدا لي كاهل أبو رمزي الذي كان منشغلا بالعزف على ( شبابته المزركشة بالخرز الملون ) أما الساحة او ارض المعركة , فقد كانت مكتظة بالدبيكة , الذين كانوا وبحركات آلية منظمة يدهشوون الواقفين ويدفعونهم للتصفيق بشدة , جذبني أحد الواقفين بغلظة ورمى بي خارج الحلقة ساخطا, ومتمتا ( ولد مسقع ) ووقعت عين (حليط )علي وأنا أقع أرضا , وبإحساس مرهف توقف عن الغناء, ليصمت بعد ذلك الجميع, وسط ذهول واندهاش غريبين, وسؤال محير مالذي أغضب (حليط )؟! وقال حليط برقة ( تعال يا شاطر ) وقبل أن ينتظر قدومي اندفع شاب قوي مفتول العضلات ووضعني بين يدي حليط الذي حملني وأجلسني مكانه , فيما أخذت الأيدي تمسح على رأسي إرضاء (لأبي توفيق) الذي وتحت ضغط المعجبين راح يشدو بصوته مرة أخرى( نعم يا سيدي رعاك الله , ابني , يا خالد , حماك الله) , ولاحظت انه كان ينظر إلي بين لحظة وأخرى, وكأنه يطمئن على حالي , فيما كنت أعيش حالة من الزهو .
حسين العشيبات
08-01-2009, 01:37 AM
لم اشعر بها من قبل , مع شعوري بشيء من الأسف لأني جئت إلى مكان ما كان يجب علي المجيء إليه, -ربما لصغر سني , او لأني لم أخبر أحدا من أهلي عن ذلك , مع أنها المرة الأولى- وزال ذلك الأسف بعد أن شملني حليط بموقفه الرقيق ذلك, وشفافيته المعروفة , وأهداني ذلك المقطع بصوته الرنان...
مع ساعات الفجر انتهت (الرقصة) وابتلع الظلام أكثر الحاضرين, فقد عادوا إلى عرائشهم وخششهم وآلامهم , وسمعت حليط مع فريقه يتفاوضون على الأجرة التي لم تتجاوز ربما الدينارين او الثلاثة وفي أحيان كثيرة مجانا , وسمعت ( أبو العريس ) يقول ( ما قصرت يا أبو توفيق والله ما قصرت ), وكما اختفى أبو توفيق وفرقته , وسط الظلام ,اختفيت أنا أيضا سائرا على رؤوس أصابعي حتى لا يشعر والدي بقدومي ....
استسلمت للنوم وأنا استعرض في مخيلتي موقف حليط وإنسانيته , ورضاه بأقل القليل من باب ( الواحد للجميع والجميع للواحد ) ....
عندما دلف (حليط) بصحبة زوجته إلى ردهة المشفى في انتظار دوره لمراجعة الطبيب , دلفت وراءه وكأني بذلك أعود إلى طفولتي وأحلامي البريئة , او لسماع أصوات من رحلوا وهم يرددون ( أحلى .....احلى أبو توفيق ) كانت مشاعري متضاربة وحزينة , وقفت غير بعيد منه , فيما كان هو يتوجع ويتألم , لم أخاطبه ولم أتحدث إليه, فقط ,اكتفيت بترجمة مشاعري إلى صمت عجيب, وأنا أرى جزءا من تراثنا المنسي والى صفحة من صفحات قريتنا المطوية , كانت هذه المرة صفحة بالأسود والأبيض, لم يكن فيها أية ألوان او رسومات , لاقنوات ماء , ولا حقول خضراء , ولا عرائش تحيط بها مساكب النعناع الأخضر , او ( عرا نيس الذرة ذات الشعور الذهبية ) ولا عزف منفرد,ولا هذا ولا ذاك , أمامي على بعد خطوات فقط ( حليط المنسي ) حليط الذي اضحك وأبكى ورقص , حليط الزائغ النظرات , الجالس وحيدا وقد اختفت الحشود التي كانت في انتظاره بلهفة شديدة .......
تراجعت الى الوراء شيئا فشيئا , ناظرا إليه مترحما على حاله , وقد هالني تجاهل الناس له, وعدم اكتراثهم لأمره او حتى التعرف الى حاله , وتذكرت موقفه معي قبل ثلاثين عاما وقوله ( تعال يا شاطر ) وقبل أن يتأزم الموقف ويتحول الى نحيب , خرجت هاربا من الردهة, تاركا حليط وسط معاناته وآلامه, وسمعت صوتا خلفي ينادي ( عبد الرزاق كايد ) ولكن هذه المرة دون ( أبو توفيق او حليط ) ............
محمد السقار
08-01-2009, 02:10 AM
حسين العشيبات
مدهش أنت يا صديقي بهذا الانتماء
الأسطوري لواقع ما زال يتنفس من ذاكرة
الزمن النقي الذي تهب
منه رائحة الطهر وسواسن الفرح
::
رائع نصا وسردا وتصويرا ووصفا
لقد نقلتني إلى تلك الأمسية الخالدة في ذاكرتك
وكأنني كنت حاضرا تماما معك
:
محبتي وتقديري
عواطف عبداللطيف
08-01-2009, 07:05 PM
الاستاذ حسين العشيبات
أجواء جميلة كنا معها
وسرد راقي لأنسان قنوع ادخل السعادة في قلوب الكثيرين
ومع الاسف عندما يصبح غير قادرا على العطاء سيكون النسيان مجازاة له
هذه هي الدنيا وهذا هو الواقع المحزن
شكرا لك
دمت بخير
تحياتي
حسين العشيبات
08-04-2009, 10:20 AM
الاستاذ محمد السقار
الاخت الاستاذة عواطف عبد اللطيف
اسعد دوما عندما تعانق حررفكم
صفحاتي
تحية لكم من القلب الى القلب