أمنة عماري
11-29-2009, 12:00 AM
ليلة العيد
هكذا يهاجم الليل أسقف المنازل الرطبة،التي ترشح من مطر السماء التي اضطجعت وهي تنزف احمرار الشفق.
هكذا يداهم الهواء البارد ستائر النوافذ،التي تركت بلا قصد مفتحة منذ الصباح،وارتوت من ماء المطر. واندفعت بشحوبها ورقة من عريشة عنب مصفرة،لتستقر كطير صغير على المنضدة من خلال النافذة ، وتأرجحت على كتاب قديم،ثم سافرت في فضاء الغرفة بلا قيود.
كان هناك يعاشر وحدته،ويشكو منها إليها،عاشرها سنوات طوال وأنجب منها طفلين شاخا قبله: اليأس والحزن الطويل........
قلّب في أوراق الذاكرة اللامنتهية فخرجت الصور حية أمامه....
لمح وجهها الملائكي في الحجرة الباردة،وكاد يرى ظلها الشفاف يرنو على الجدار، أذناه سمعتا وقع خطاها فتلفت حوله عبثا.........
لمحها وهي تسير بثياب نومها البيضاء،تحمل شمعة وتمشي طفلتها قربها،كما اعتاد أن يسمع صوتهما ترتلان معا ترتيلة ما وكأن الملائكة تحف المكان وتتنزل السكينة.
الليل يتسع فوق العالم ويطبق فوق المدينة ببرده ومطره وهو جالس في مكانه مسلما نفسه للريح،أشعل سيجارة وبدأ التدخين ومع كل شهيق وزفير كانت النار تدخل والأمن يتفلت من صدره،أحس بيديها على كتفيه فنظر ليجد السراب لا شئ إلا السراب لا شئ لاشئ أبدا ........
سار على عكازتيه باتجاه النافذة ليغلقها ومن خلال النافذة رأى الناس يعبرون الطريق فرحين فالعيدعلى الأبواب.
رأى الأهالي مع أولادهم يحملون الهدايا لهم،فرجع إلى الوراء بسرعة وأغلق النافذة والستارة بسرعة لا معقولة وكأنه يختبئ من شيء ما، وارتمى على سرير فزعا، حدق بسقف الغرفة الواسع ورسم في الأفق ألف سحابة من سجائره ثم غفا بأخضان وحدته.
استيقظ بعد ساعة تقريبا و استيقظ الألم في داخله قبله،ارتدى معطفه وخرج من المنزل يقصد السوق ، سار في شوارع لمدينة بين الزحام بأربعة سيقان لا تقوى على السير ! واجترأ البرد على عظامه فلبسها فارتجف بشدة،وقرر أن يستقل سيارة ففعل.
سائق التكسي أرجح السيارة يمينا وشمالا، والناس في الشوارع المزدحمة تصرخ عندما لا يبقى بينه وبين أذيتهم إلا ثوان بسيطة ومسافة أقرب.
نزل من السيارة ودخل أحد المتاجر ، كانت البائعة منشغلة مع زبون جاء برفقة زوجته وابنته ليشتريا ثياب العيد.الصغيرة الشقراء أسقطت دميتها ومحفظة نقودها الصغيرة على الأرض، فانحنت لتلتقط ما أسقطت . قطعة من النقود وصلت قرب قدمه فانحنى بصعوبة والتقطها وأعطاها للصغيرة التي ابتسمت وشكرته،داعب شعرها اللامع وغاب في البعيد ثم سألها : ما اسمك أيتها الأميرة ؟
قالت : (أوديت) سيدي وأنت ؟
ناداها والداها وهما يخرجان من المتجر فابتسمت وحيته بأدب ومضت مسرعة.
البائعة حدقت به وهو شارد الذهن تم قالت : أهلا ، لم أرك منذ
مدة طويلة ، كيف أنت هذه الأيام ؟
قال : بخيروالحمد لله . أريد ثوبا كثوب الطفلة التي كانت هنا.
هزت رأسها بيأس وقالت في نفسها : ماتت ابنته ولم يزل يشتري لها ثيابا،يحاول دائما أن يقنع نفسه بأنها حية وبأنها ستعود.
جلست على مقعد قبالته وقالت : اجلس .
فهز رأسه وجلس،سكبت له فنجانا من الشاي الساخن وقالت :
أعددته قبل أن يأتي الزبون ، لك نصيب منه.
ابتسمت ابتسامة طيبة وقالت : مقاس الثوب الذي تريده ؟
قال : مقاس ابنتي تعرفينه جيدا.
قالت وهي تحدق بالبعيد: خلال عام يكبر الأطفال .
صمت كلاهما صمتا رهيبا، قاطعه صوت الساعة ساعة الجدار، التي دقت معلنة أن الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل.ثم نهضت ترتدي معطفها فسأل بيأس: ألن تعطني الثوب؟
قالت وهي تلتقط مفاتيح المتجر: غدا صباحا تصلني بضاعة جديدة بمقاسات مختلفة ، عد صباحا ، والآن سأوصلك بسيارتي إلى منزلك .
قال وهو ينهض : سأذهب وحدي؟
سارا معا خارج المتجر ثم أغلقته ، فتحت له باب السيارة وقالت : تفضل.
ركب السيارة فأغلقت الباب وركضت تحت المطر لتركبها .
قالت : إنها تمطر بغزارة .
قادت السيارة بهدوء بين الزحام،فأشعل سيجارته وبدأ يدخن ، سحبتها من فمه وألقتها من نافذة السيارة وقالت : لا أسمح لأحد بالتدخين في سيارتي .
قال : قديمة هذه السيارة .
قالت : هدية أبي عندما تخرجت، قبل أكثر من ست سنوات و لا تنسى أنها كانت له .
ضحك وقال : ألم يشتر لك سيارة جديدة؟
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت : والدي لا يحب تدليل الأطفال ونحن كما تعلم عشرون بنتا.
ضحك الاثنان ثم علت وجهها سحابة حزن باردة .أوقفت السيارة فجأة وأخفت وجهها بين ذراعيها على المقود ، ملأت الدموع وجهها ورقصت خلايا الضوء عليه فقال : وتلومونني حين أبكي ابنتي وزوجتي ، بعض الجروح لا تلتأم .
أرخى رأسه للوراء وتنفس بعمق ولفه اليأس من جديد، أشفقت عليه ووضعت يدها على ذراعه اليسرى وهي تقول : آسفة ، ذكرتك.
قاطعها : لم أكن لأنسى .
أعادت تشغيل السيارة ومضت باتجاه منزله ،أوصلته ثم مضت إلى منزلها.
وصل المنزل ودخله والنار في الموقد تلفظ انفاسها الأخيرة ، وتتدثر ببقايا رماد بارد فأشعلها من جديد. خلع معطفه وارتمى على الأريكة مفكرا : لو كانت ابنتي هنا لكانت ضحكتها الرنانة تصدح في أرجاء المنزل ، كانت ستجري إلى غرفة أمها لتغيب ثم تطل مرة أخرى من الباب لتظهر بثياب أمها وحذائها ضاحكة جارية نحوي .كما اعتادت دائما أن تلبس ثياب من هم أكبر منها سنا ، وترتدي معطفي وتجري وبيدها علبة التبغ خاصتي.
كانت نغما عذبا يروج الاطمئنان داخل التفس ولكنه انتهى ، انتهى اللحن العذب الرائع.
ماتت أوديت وما أصعبها من لحظات! دمها الطاهر على الشوارع،نزفت حتى الموت بسببي،لأني رفضت أن أخضع لسلطة الشيطان، رفضت أن أزوّر بعض الأوراق المالية،التي لو كانت مليارا لا تساوي قطرة من دم أوديت ولا تساوي هي وابنتي أن أبيع كرامتي وشرفي ...آه يا اوديت الصغيرة كان يجب أن أموت انا فذهبت أنت وأمك عن هذا العالم .......كفى ، لا أريد أن أتذكر شيئا .........
فكر إلى أن غاب عن الوعي .....
جاء الصباح يفتح خلايا النور على عالم معتم طال مكوثه ، ويركّب الشمس على زرقة هزيلة لتشدها الخيوط الدافئة بثوب العافية،واستسلم الضباب وذوى منتهيا في طيات الفناء،وسارت الشمس برفق تسكب ذهبها على الأسقف وتنساب لتشرب الظل المتكئ على عتبات البيوت.
نفرت الطيور من أعشاشها لتخرجها من جيوب الصنوبر العجوز الذي حماها داخل معطفه عن موجات البرد الشديد وانزلق الضوء على وجهه يشاكس عينيه الناعستين ،وفتح عيناه.
سمع قرعا على باب منزله ثم فتح الباب وسمع وقع أقدام أحدهم على درج منزله يضغظ بقوة على أخشابه.
فتحت الباب وهي تقول: هيا انهض ألا تريد أن تشتري ثوبا؟
ساعدته على النهوض وهي تقول: وصلت البضاعة الجديدة الآن.
قال وهو يمسح وجهه مبتسما: انتظري حتى أغسل وجهي.
قالت وهي تشده من ذراعه: اسرع .
ابتسم بحنان وهو يراقبها مشحونة بالسعادة ،فسأل: لما كل هذه السعادة ؟ ماذا يجري؟
ابتسمت وغادرت الغرفة وهي تقول: سأنتظرك في السيارة.
هز رأسه غير مصدق الحالة التي هي عليها وهي من فقدت والديها وأخيها معا في سنة واحدة ،مات والداهافي حادث سير،أمّا الأخ فقد مات ضحية السرطان.أي عام هذا الذي يموت فيه كل الرائعين؟!
نزل إليها ولمح السعادة وجها حقيقيا يطوف في السيارة ويسبح بأجنحته في السماء ، فقال: ألا تخبرينني عن سر هذه السعادة؟
بدأت القيادة وبدأت تتحدث: بعد أن أوصلتك البارحة عدت إلى منزلي ، صليت بخشوع وأخت أفكر عن حل لما نحن فيه من حزن ،فكشف لي التفكير عن باب سحري يضيء بشدة ،لو فتحنا هذا الباب سنجد حلا حقيقيا يخلصنا.
أصغى مبتسما ثم قال : باب ؟ أي باب؟
قالت : ثق بي .
توقفت السيارة على باب المتجر ،نزلت من السيارة وملأت الصندوق الخلفي بالهدايا ثم عادت إلى السيارة ،فسألها: ماذا تنوين أن تفعلي؟
قالت: صبرا أيها المتسرع.
مضت بسيارتها ،وبدأالزحام يتلاشى في أحد الطرقات الطويلة ، مضت إلى أن وصلت إلى أحد الأبنية التي صرخ عندما رآها قائلا: دار الأيتام؟
قالت : هيا انزل بهداياك ،فهنا ألف طفلة تريد ثوبا كثوب أوديت.
ابتسم وتنفس الصعداء ليدخل الهواء النقي رئتيه وقال : أنت رائعة، رائعة يا كاترين .
قالت : انزل الآن بهداياك وأنا سأهب إلى بابي السحري فلم أفتحه بعد.
نزل من السيارة وحمل الحارس الهدايا وأدخلها.أخذته المشرفة ليرى الأطفال ، كانوا بعمر ابنته، اقترب منه طفل صغير لم يكمل الخامسة من عمره ، أعطاه الهدية ورأى في عينيه نظرة تشبعه نظرة ابنته ،فلمس وجهه بأصابعه ، فقبل الصغير باطن يده شاكرا إياه. ثم مضى فرحا ومضى قلبه مع الصغير الذي جرى ليلعب مع أصدقائه بعينين لامعتين تشعان سعادة وبشرا.
كان الصغير يحدق به بين اللحظة والأخرى ،ويبتسم ابتسامة بريئة،هذه الابتسامة الرقيقة تغرس في نفسه ريحانة تعطر أوقاته مع الأطفال .
تأخرت كاترين ، وظل مع الأطفال يحدثهم ويستمع لحديثهم والسعادة تنشر رذاذها.
بعد ذلك جاءت كاترين ،حيته فسألها: أين كنت؟
قالت بفرح : في مأوى العجزة.أخذت لهم نفس الهدايا التي كنت أشتريها لوالداي في العيد ، وبقيت هدية أخي ، خذها مايكل .
ومن بين ركام الصمت اندفع الصغير نحوهما وقد ارتدى معطف مايكل الذي نسيه على المقعد فسار مايكل نحوه بلا عكازتين!!
هكذا يهاجم الليل أسقف المنازل الرطبة،التي ترشح من مطر السماء التي اضطجعت وهي تنزف احمرار الشفق.
هكذا يداهم الهواء البارد ستائر النوافذ،التي تركت بلا قصد مفتحة منذ الصباح،وارتوت من ماء المطر. واندفعت بشحوبها ورقة من عريشة عنب مصفرة،لتستقر كطير صغير على المنضدة من خلال النافذة ، وتأرجحت على كتاب قديم،ثم سافرت في فضاء الغرفة بلا قيود.
كان هناك يعاشر وحدته،ويشكو منها إليها،عاشرها سنوات طوال وأنجب منها طفلين شاخا قبله: اليأس والحزن الطويل........
قلّب في أوراق الذاكرة اللامنتهية فخرجت الصور حية أمامه....
لمح وجهها الملائكي في الحجرة الباردة،وكاد يرى ظلها الشفاف يرنو على الجدار، أذناه سمعتا وقع خطاها فتلفت حوله عبثا.........
لمحها وهي تسير بثياب نومها البيضاء،تحمل شمعة وتمشي طفلتها قربها،كما اعتاد أن يسمع صوتهما ترتلان معا ترتيلة ما وكأن الملائكة تحف المكان وتتنزل السكينة.
الليل يتسع فوق العالم ويطبق فوق المدينة ببرده ومطره وهو جالس في مكانه مسلما نفسه للريح،أشعل سيجارة وبدأ التدخين ومع كل شهيق وزفير كانت النار تدخل والأمن يتفلت من صدره،أحس بيديها على كتفيه فنظر ليجد السراب لا شئ إلا السراب لا شئ لاشئ أبدا ........
سار على عكازتيه باتجاه النافذة ليغلقها ومن خلال النافذة رأى الناس يعبرون الطريق فرحين فالعيدعلى الأبواب.
رأى الأهالي مع أولادهم يحملون الهدايا لهم،فرجع إلى الوراء بسرعة وأغلق النافذة والستارة بسرعة لا معقولة وكأنه يختبئ من شيء ما، وارتمى على سرير فزعا، حدق بسقف الغرفة الواسع ورسم في الأفق ألف سحابة من سجائره ثم غفا بأخضان وحدته.
استيقظ بعد ساعة تقريبا و استيقظ الألم في داخله قبله،ارتدى معطفه وخرج من المنزل يقصد السوق ، سار في شوارع لمدينة بين الزحام بأربعة سيقان لا تقوى على السير ! واجترأ البرد على عظامه فلبسها فارتجف بشدة،وقرر أن يستقل سيارة ففعل.
سائق التكسي أرجح السيارة يمينا وشمالا، والناس في الشوارع المزدحمة تصرخ عندما لا يبقى بينه وبين أذيتهم إلا ثوان بسيطة ومسافة أقرب.
نزل من السيارة ودخل أحد المتاجر ، كانت البائعة منشغلة مع زبون جاء برفقة زوجته وابنته ليشتريا ثياب العيد.الصغيرة الشقراء أسقطت دميتها ومحفظة نقودها الصغيرة على الأرض، فانحنت لتلتقط ما أسقطت . قطعة من النقود وصلت قرب قدمه فانحنى بصعوبة والتقطها وأعطاها للصغيرة التي ابتسمت وشكرته،داعب شعرها اللامع وغاب في البعيد ثم سألها : ما اسمك أيتها الأميرة ؟
قالت : (أوديت) سيدي وأنت ؟
ناداها والداها وهما يخرجان من المتجر فابتسمت وحيته بأدب ومضت مسرعة.
البائعة حدقت به وهو شارد الذهن تم قالت : أهلا ، لم أرك منذ
مدة طويلة ، كيف أنت هذه الأيام ؟
قال : بخيروالحمد لله . أريد ثوبا كثوب الطفلة التي كانت هنا.
هزت رأسها بيأس وقالت في نفسها : ماتت ابنته ولم يزل يشتري لها ثيابا،يحاول دائما أن يقنع نفسه بأنها حية وبأنها ستعود.
جلست على مقعد قبالته وقالت : اجلس .
فهز رأسه وجلس،سكبت له فنجانا من الشاي الساخن وقالت :
أعددته قبل أن يأتي الزبون ، لك نصيب منه.
ابتسمت ابتسامة طيبة وقالت : مقاس الثوب الذي تريده ؟
قال : مقاس ابنتي تعرفينه جيدا.
قالت وهي تحدق بالبعيد: خلال عام يكبر الأطفال .
صمت كلاهما صمتا رهيبا، قاطعه صوت الساعة ساعة الجدار، التي دقت معلنة أن الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل.ثم نهضت ترتدي معطفها فسأل بيأس: ألن تعطني الثوب؟
قالت وهي تلتقط مفاتيح المتجر: غدا صباحا تصلني بضاعة جديدة بمقاسات مختلفة ، عد صباحا ، والآن سأوصلك بسيارتي إلى منزلك .
قال وهو ينهض : سأذهب وحدي؟
سارا معا خارج المتجر ثم أغلقته ، فتحت له باب السيارة وقالت : تفضل.
ركب السيارة فأغلقت الباب وركضت تحت المطر لتركبها .
قالت : إنها تمطر بغزارة .
قادت السيارة بهدوء بين الزحام،فأشعل سيجارته وبدأ يدخن ، سحبتها من فمه وألقتها من نافذة السيارة وقالت : لا أسمح لأحد بالتدخين في سيارتي .
قال : قديمة هذه السيارة .
قالت : هدية أبي عندما تخرجت، قبل أكثر من ست سنوات و لا تنسى أنها كانت له .
ضحك وقال : ألم يشتر لك سيارة جديدة؟
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت : والدي لا يحب تدليل الأطفال ونحن كما تعلم عشرون بنتا.
ضحك الاثنان ثم علت وجهها سحابة حزن باردة .أوقفت السيارة فجأة وأخفت وجهها بين ذراعيها على المقود ، ملأت الدموع وجهها ورقصت خلايا الضوء عليه فقال : وتلومونني حين أبكي ابنتي وزوجتي ، بعض الجروح لا تلتأم .
أرخى رأسه للوراء وتنفس بعمق ولفه اليأس من جديد، أشفقت عليه ووضعت يدها على ذراعه اليسرى وهي تقول : آسفة ، ذكرتك.
قاطعها : لم أكن لأنسى .
أعادت تشغيل السيارة ومضت باتجاه منزله ،أوصلته ثم مضت إلى منزلها.
وصل المنزل ودخله والنار في الموقد تلفظ انفاسها الأخيرة ، وتتدثر ببقايا رماد بارد فأشعلها من جديد. خلع معطفه وارتمى على الأريكة مفكرا : لو كانت ابنتي هنا لكانت ضحكتها الرنانة تصدح في أرجاء المنزل ، كانت ستجري إلى غرفة أمها لتغيب ثم تطل مرة أخرى من الباب لتظهر بثياب أمها وحذائها ضاحكة جارية نحوي .كما اعتادت دائما أن تلبس ثياب من هم أكبر منها سنا ، وترتدي معطفي وتجري وبيدها علبة التبغ خاصتي.
كانت نغما عذبا يروج الاطمئنان داخل التفس ولكنه انتهى ، انتهى اللحن العذب الرائع.
ماتت أوديت وما أصعبها من لحظات! دمها الطاهر على الشوارع،نزفت حتى الموت بسببي،لأني رفضت أن أخضع لسلطة الشيطان، رفضت أن أزوّر بعض الأوراق المالية،التي لو كانت مليارا لا تساوي قطرة من دم أوديت ولا تساوي هي وابنتي أن أبيع كرامتي وشرفي ...آه يا اوديت الصغيرة كان يجب أن أموت انا فذهبت أنت وأمك عن هذا العالم .......كفى ، لا أريد أن أتذكر شيئا .........
فكر إلى أن غاب عن الوعي .....
جاء الصباح يفتح خلايا النور على عالم معتم طال مكوثه ، ويركّب الشمس على زرقة هزيلة لتشدها الخيوط الدافئة بثوب العافية،واستسلم الضباب وذوى منتهيا في طيات الفناء،وسارت الشمس برفق تسكب ذهبها على الأسقف وتنساب لتشرب الظل المتكئ على عتبات البيوت.
نفرت الطيور من أعشاشها لتخرجها من جيوب الصنوبر العجوز الذي حماها داخل معطفه عن موجات البرد الشديد وانزلق الضوء على وجهه يشاكس عينيه الناعستين ،وفتح عيناه.
سمع قرعا على باب منزله ثم فتح الباب وسمع وقع أقدام أحدهم على درج منزله يضغظ بقوة على أخشابه.
فتحت الباب وهي تقول: هيا انهض ألا تريد أن تشتري ثوبا؟
ساعدته على النهوض وهي تقول: وصلت البضاعة الجديدة الآن.
قال وهو يمسح وجهه مبتسما: انتظري حتى أغسل وجهي.
قالت وهي تشده من ذراعه: اسرع .
ابتسم بحنان وهو يراقبها مشحونة بالسعادة ،فسأل: لما كل هذه السعادة ؟ ماذا يجري؟
ابتسمت وغادرت الغرفة وهي تقول: سأنتظرك في السيارة.
هز رأسه غير مصدق الحالة التي هي عليها وهي من فقدت والديها وأخيها معا في سنة واحدة ،مات والداهافي حادث سير،أمّا الأخ فقد مات ضحية السرطان.أي عام هذا الذي يموت فيه كل الرائعين؟!
نزل إليها ولمح السعادة وجها حقيقيا يطوف في السيارة ويسبح بأجنحته في السماء ، فقال: ألا تخبرينني عن سر هذه السعادة؟
بدأت القيادة وبدأت تتحدث: بعد أن أوصلتك البارحة عدت إلى منزلي ، صليت بخشوع وأخت أفكر عن حل لما نحن فيه من حزن ،فكشف لي التفكير عن باب سحري يضيء بشدة ،لو فتحنا هذا الباب سنجد حلا حقيقيا يخلصنا.
أصغى مبتسما ثم قال : باب ؟ أي باب؟
قالت : ثق بي .
توقفت السيارة على باب المتجر ،نزلت من السيارة وملأت الصندوق الخلفي بالهدايا ثم عادت إلى السيارة ،فسألها: ماذا تنوين أن تفعلي؟
قالت: صبرا أيها المتسرع.
مضت بسيارتها ،وبدأالزحام يتلاشى في أحد الطرقات الطويلة ، مضت إلى أن وصلت إلى أحد الأبنية التي صرخ عندما رآها قائلا: دار الأيتام؟
قالت : هيا انزل بهداياك ،فهنا ألف طفلة تريد ثوبا كثوب أوديت.
ابتسم وتنفس الصعداء ليدخل الهواء النقي رئتيه وقال : أنت رائعة، رائعة يا كاترين .
قالت : انزل الآن بهداياك وأنا سأهب إلى بابي السحري فلم أفتحه بعد.
نزل من السيارة وحمل الحارس الهدايا وأدخلها.أخذته المشرفة ليرى الأطفال ، كانوا بعمر ابنته، اقترب منه طفل صغير لم يكمل الخامسة من عمره ، أعطاه الهدية ورأى في عينيه نظرة تشبعه نظرة ابنته ،فلمس وجهه بأصابعه ، فقبل الصغير باطن يده شاكرا إياه. ثم مضى فرحا ومضى قلبه مع الصغير الذي جرى ليلعب مع أصدقائه بعينين لامعتين تشعان سعادة وبشرا.
كان الصغير يحدق به بين اللحظة والأخرى ،ويبتسم ابتسامة بريئة،هذه الابتسامة الرقيقة تغرس في نفسه ريحانة تعطر أوقاته مع الأطفال .
تأخرت كاترين ، وظل مع الأطفال يحدثهم ويستمع لحديثهم والسعادة تنشر رذاذها.
بعد ذلك جاءت كاترين ،حيته فسألها: أين كنت؟
قالت بفرح : في مأوى العجزة.أخذت لهم نفس الهدايا التي كنت أشتريها لوالداي في العيد ، وبقيت هدية أخي ، خذها مايكل .
ومن بين ركام الصمت اندفع الصغير نحوهما وقد ارتدى معطف مايكل الذي نسيه على المقعد فسار مايكل نحوه بلا عكازتين!!